في تلك الأيام الغابرة لم يكن هناك سوبر ماركت ولا هايبر ماركت ولا مراكز تسوق مكيفة ولا عرض أزياء

كل ماهناك أسواق بدائية يعرضون بضائعهم المتواضعة على الأرض الجرداء أو في دكاكين تبعث على الحزن حين رؤيتها بعضها لاتستطيع الدخول إليها إلا منحنيا حيث سقفها لا يتعدى المتر وعشرون سنتمتر

خاصة ما يعرض للنساء من صباغ وخيوط وكحل وكل مستلزماتهن البدائية
وكنا نسمي هذا السوق ( بسوق الغشامرة ) نسبة إلى القرية التي يقام فيها هذا السوق كل يوم سبت

أي يقام مرة واحدة في الأسبوع ويباع في هذا السوق جميع أنواع الدواب من جمال وحمير وغنم وبقر وثيران وكذلك كان يوجد هناك بسطات كثيرة على الأرض تدار بواسطة النساء يبعن فيها الريحان والبعيثران والكاذي والحناء والموز البلدي الذي يجلب من تهامة على ظهور الرجال والنساء وكذلك يباع البيض البلدي بالحبة وكانت بأسعار زهيدة لاتتعدى القرشين والثلاثة قروش

كنت إذا دخلت هذا السوق بعد أن تربط حمارك في الكراج المخصص للحمير( تهبط ) السوق قصدي تنزل إلى السوق حاملا معك العصا الخاصة بك
للتسوق وشراء احتياجاتك

كنت تسمع الهرج والمرج في السوق كل واحد يصيح بأعلى صوته ليبيع ويشتري والسوق كله لايتعدى مائة مترا طولا في خمسون مترا عرضا

وكان إذا كان هناك أمرا مهما في القرى أوأمرا خطيرا يستدعي معرفته اوشرحه للقبيلة أو كان هناك عقاب لأحد أفراد القرية لجرم ارتكبه كان شيخ القبيلة أو عريفة القرية يصعد إلى مكان مرتفع في السوق ويطلب من الجميع السكوت والسماع لما يقول

ومن القصص التي يرويها لنا الوالد الله يرحمه انه كان هناك شخص من أفراد القرية أخطاء على شخص أخر واعترف بخطاءه وأراد أن يمثل للقصاص منه أمام أفراد القبيلة
وكانت تسمى هذه العملية بعملية (( النقى ))

وكان هذا قبل حكم الأسرة السعودية

فصعدوا به إلى مكان مرتفع في السوق أمام جميع الحاضرين من أفراد القبيلة وأعطوه السلاح وهو عبارة عن اله حادة جدا من الحديد نسميها ( الجنبية ) وطلبوا منه ضرب رأسه بيده حتى يظهر الدم أمام أفراد القبيلة

وفعلاً قام الرجل بضرب رأسه ولكن لعظم الموقف أمام أفراد القبيلة وشدة الحماس والشجاعة التي يبديها الرجل أمام أفراد القبيلة لم يظهر الدم
فقام بضرب رأسه مرة أخرى ولم يظهر الدم وكان لابد ومن المحتم ظهور الدم وإلا لم ينتهي الأمر وبعد ثلاث آو أربع محاولات فاشلة ماكان من احد الأفراد الذين يقفون بجانبه إلا أن أخذ الجنبية من يده وضربه هو ضربة بسيطة خرج منها الدم وأنقذ الموقف

وبخروج هذا الدم أصبح الرجل في حل من الذنب الذي اقترفه
وأصبح حرا ومنصفا لخصمه

هذه القصة لم تحدث في أيامنا نحن

الشي الذي أتذكرة وكان ذلك امتداد لهذا المشهد أنني رأيت هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يطلعون من على شرفة في السوق وينصحون الناس أي يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر خطبة يلقيها احدهم في السوق شاهدة ذلك بعيني وكذلك مما شاهدته في السوق أنه كان هناك اثنان من أفراد قرية الغشامره يقومان بتوزيع الماء على المتسوقين مجانا وذلك من قربتين كانا يحملانها على ظهورهم ويقولان
أروي عطشك يا ضامي

وهما مشهوران بالقيام بهذا العمل كل يوم سوق


وأنا آسف لقد سرحت في موضوع أخر غير الموضوع الذي وددت القيام به وهو

( الشركة وسعر سادي اللحم )

نعود لموضوعنا هذا وأحاول تبسيطه وشرحه

كنت إذا احتجت أن تشتري لحما لعائلتك لم يكن هناك محل جزارة يباع فيها اللحم داخل قريتك وخاصة قريتنا التي أتكلم عنها وبصرف النظر عن القرى الأخرى
كان هناك جزار يأتي بين الفينة والأخرى عندما يزداد الطلب عنده لحاجة القرية للحم

أذكر أن إسمة كان الجزار سالم

فكان إذا شعر بكثرة الطلب على لحمه يحضر بقرة أو ثورا إلى إحدى الساحات في القرية ( جرين احد البيوت ) في الهواء الطلق وتحت أشعة الشمس الباردة بحكم أن المنطقة مشهورة ببرودة الجو طوال السنة ويقوم بذبح تلك الذبيحة وكان يضع بساطا تحت اللحم نسميه ( هدم ) بساط مصنوع من الخوص وعندما يعلم سكان القرية بهذا الأمر تجدهم يتجمعون حول الجزار كل واحد بزنبيلة ويطلب من الجزار أن يحجز له ( سادي ) أي كمية من اللحم ربما تساوي واحد كيلو جرام أو كيلو ونصف مخلوط لحم وعظم وليس لحم صافي وكان يشمل جزء من الأمعاء والكرش والأرجل وكافة أجزاء الذبيحة

فكان ينشر تلك الكميات من اللحم والذي نسميه ( السديان ) على الخصف فكانت الذبيحة أكثر من مائة (سادي) وكان قيمة السادي الواحد خمسة ريالات تدفعها للجزار في حينه وتأخذ اللحم وإذا لم تذهب في بداية الذبح لاتحصل على شي ويفوتك اللحم

وكان أكثر الأشخاص الملتفين حول الجزار أطفال يرسلهم أهليهم كل واحد بيده زنبيله وخمسة ريالات

ولقد قمت بزيارة هذا السوق بتاريخ 9/9/1429هـ

والتقطت عدة صور فوتوغرافية للذكرى سوف أورد بعض منها على هذه الصفحة إن شاء الله

ودمتم سالمين

عبدالله ريح الله

15/11/1429هـ